صديق الحسيني القنوجي البخاري
183
أبجد العلوم
وعبارة من جميع الألسن ، وهذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم . « أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا » « 1 » واعتبر ذلك بما يحكى عن عيسى بن عمر وقد قال له بعض النحاة : إني أجد في كلام العرب تكرارا في قولهم : زيد قائم ، وإن زيدا قائم ، وإن زيدا لقائم ، والمعنى واحد . فقال له : إن معانيها مختلفة ، فالأول : لإفادة الخالي الذهن من قيام زيد ، والثاني : لمن سمعه فتردد فيه . والثالث : لمن عرف بالإصرار على إنكاره فاختلفت الدلالة باختلاف الأحوال . وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد ، ولا تلتفتن في ذلك إلى خرفشة النحاة أهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق ، حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت ، وأن اللسان العربي فسد ، اعتبارا بما وقع أواخر الكلم من فساد الإعراب الذي يتدارسون قوانينه . وهي مقالة دسها التشيع في طباعهم ، وألقاها القصور في أفئدتهم ، وإلا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الأولى ، والتعبير عن المقاصد والتفاوت فيه بتفاوت الإبانة موجود في كلامهم لهذا العهد ، وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطبتهم ، وفهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم ، والشاعر المفلق على أساليب لغتهم ، والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك ، ولم يفقد من أحوال اللسان المدون إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم فقط الذي لزم في لسان مضر طريقة واحدة ومهيعا معروفا وهو الإعراب وهو بعض من أحكام اللسان ، وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب ، وصارت ملكته على غير الصورة التي كانت أولا فانقلب لغة أخرى . وكان القرآن متنزلا به والحديث النبوي منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة ، فخشي تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي تنزلا به ، فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستنباط قوانينه ، وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سماه أهله بعلم النحو ، وصناعة العربية . فأصبح فنا محفوظا ، وعلما مكتوبا ، وسلما إلى فهم كتاب اللّه وسنة رسوله وافيا . ولعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه ، فتكون لها قوانين تخصها ، ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر .
--> ( 1 ) روى نحوه مسلم في صحيحه ( كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، حديث رقم 7 ) عن أبي هريرة بلفظ « نصرت بالرعب على العدو ، وأوتيت جوامع الكلم ؛ وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يديّ » .